-
سوريا: من "دولة الاستحواذ" إلى "دولة القانون" وفق خارطة طريق للتعافي والإستقرار
بقلم السياسي والإعلامي : أحمد منصور.
لا بد للسوريون أن يدركوا أنه في لحظات التحول التاريخي، تواجه الأمم خيارين: إما الانزلاق نحو دوامات الثأر التي تفكك النسيج المجتمعي، أو العبور نحو "العدالة الرشيدة" التي تستعيد الدولة دون أن تدمر المجتمع. إن القضية السورية اليوم ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي ضرورة ملحة لصياغة عقد اجتماعي جديد ينهي زمن المظلوميات ويؤسس لجمهورية المواطنة.
أولاً: العدالة الانتقالية.. استرداد لا اجتثاث
يجب أن يدرك الشارع السوري ودوائر القرار أن العدالة الانتقالية ليست سيفاً مسلطاً لقطع رؤوس المؤسسات، بل هي مبضع جراح لاستئصال الفساد السياسي والمالي. إنها تعني:
استعادة السيادة الوطنية: استرداد مقدرات الدولة المنهوبة وثرواتها السيادية التي احتكرتها "سلطة الاستحواذ" لسنوات، وإعادتها لخدمة الاقتصاد الوطني وإعادة الإعمار.
المحاسبة الرأسية (المسؤولين الأوائل): إنفاذ القانون على "الصف الأول" من صناع القرار الأمني والسياسي الذين تسببوا في الكارثة الوطنية، لضمان إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب وليس محاسبة المجتمع الذي لم يمتلك يوماً خياراته.
ثانياً: العفو والمصالحة كضرورة استراتيجية
من أجل استقرار مستدام، لابد من تبني مبدأ "سيد الموقف: العفو عما دون الصف الأول والثاني". إن ملاحقة الموظفين والعمال والجنود وغيرهم الذين وجدوا أنفسهم ضمن "مكينة الدولة الموحشة" دون خيارات سيادية هو انتحار سياسي واجتماعي.
طي صفحة المظلوميات: إن بناء "مظلومية مضادة" يعني زرع بذور حرب أهلية قادمة. العفو عمن لم يتلطخ بقرار السيادة القمعي هو الذي يضمن بقاء هيكل الدولة قائماً ويمنع انهيار الخدمات الأساسية.
المصالحة المجتمعية: هي الضامن لعودة اللاجئين والنازحين، حيث يشعر الجميع أن القانون يحميهم وليس أداة للانتقام منهم.
ثالثاً: مأسسة الدولة.. لا أحد فوق الدستور
إن العدالة التي ننشدها هي التي تضع "الجهاز والمسؤول" في إطار الشفافية والمساءلة. فلا استقرار دون:
حياة سياسية تعددية: تحميها مؤسسات دستورية مستقلة، تضمن حق التعبير وحرية العمل السياسي لكافة الأطياف.
حماية الفئات الهشة: دستور يكفل حقوق كبار السن، ذوي الاحتياجات الخاصة، والشباب، ويحقق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات.
العقد الاجتماعي: وثيقة وطنية كبرى تنظم العلاقة بين المجتمع والدولة، حيث المواطنة هي المعيار الوحيد للانتماء، بعيداً عن الولاءات الضيقة.
رابعاً: الرسالة لدوائر القرار في سوريا الرسمي والسارع السوري
على السلطة الإنتقالية والمجتمع السوري أن يفهما أن استقرار سوريا هو مفتاح استقرار سوريا بل والإقليم. إن نموذج "العدالة الانتقالية الرشيدة" الذي يجمع بين المحاسبة السيادية والمصالحة المجتمعية هو المسار الوحيد لمنع إستمرار تحول سوريا إلى دولة فاشلة. إن دعم هذا المسار يعني دعم بناء مؤسسات شفافة قادرة على مكافحة الإرهاب، ومنع الهجرة غير الشرعية، وتأمين البيئة الاستثمارية لإعادة الإعمار وحياة سياسية تعددية تتنافس فيما بينها على تطوير الدولة خدمةً لبناء المجتمع وتطويره.
إن سوريا المستقبل التي يريدها الجميع هي دولة المؤسسات لا الأفراد، دولة القانون لا السلطة. إننا لا نسعى لهدم ما تبقى، بل لاسترداد ما سُلب. العدالة الانتقالية هي الجسر الذي سنعبر عليه من "أزقة المظلومية" إلى "رحاب الدولة"، حيث يُصان حق الطفل، وتُحفظ كرامة الموظف، ويُحترم عجز المسن، ويُقدّر عطاء الشباب، تحت راية دستور يحمي الجميع ولا يستثني أحداً.
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

